السبت، فبراير 26، 2011

العلمانيون.. وسخرية لا تضر إلا أصحابها

كتبه/ علي حاتم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد اقتضت حكمة الله -عز وجل- أن مَن ترك ما ينفعه وهو قادر على الانتفاع به ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك الحق ابتلي بالباطل، ومن ترك عبادة الله -عز وجل- ابتلي بعبادة غيره، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه -عز وجل- ابتلي بالذل للعبيد.
وعلمانيو هذا العصر وزنادقته وملاحدته -وخصوصًا بعض الكتاب والمفكرين، ومن يسمون أنفسهم بالمبدعين!- لما تركوا الاشتغال بما ينفعهم؛ ابتلاهم الله -عز وجل- بالاشتغال بما يضرهم.

والمسلم من حيث كونه مسلمًا يشهد "أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" يجب عليه أن ينشغل بتحقيق معنى هذه الكلمة ولا يكتفي بترديدها باللسان فقط، بل عليه أن يؤمن بها بقلبه، ويتيقن أنه لا معبود بحق إلا الله -تعالى-، وتقوم جوارحه بالعمل لتحقيق ذلك واقعًا ملموسًا عمليًا يصرف من خلاله جميع العبادات ظاهرها وباطنها لله -عز وجل- وحده، متبعًا في ذلك منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشرعته، داعيًا الناس مِن حوله إلى تحقيق ذلك، آمرًا بالمعروف بكل صوره، ناهيًا عن المنكر بكل أشكاله، صالحًا في نفسه، مُصلحًا للخلق من حوله مهما كان موقعه، مؤمنًا إيمانًا لا شك فيه ولا تردد أن هذه هي الغاية التي خلقه الله -عز وجل- من أجلها، وأن هذا هو الطريق لتحقيق سعادته في الدنيا والآخرة؛ قال عزَّ من قائل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56).

وقال أيضًا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).


واقع زنادقة العصر وملاحدته
فاسدون مفسدون:

لقد ترك بعض هؤلاء القوم تلك الغاية التي حددها لهم خالقهم، واكتفوا من الإسلام بحظ قليل لا يتجاوز مجرد التسمي بأسماء المسلمين، وانشغلوا بالانغماس في الباطل والدعوة إليه، وبذل الجهد وإفناء العمر في الفساد والإفساد في الأرض بشتى الصور، وسخَّروا أقلامهم ومنابرهم التي تسلطوا عليها في الدعوة والترويج للفجور والعري والإباحية والإلحاد، ونشر ذلك في كل مكان، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ بل إن مصيبتهم الكبرى أنهم يعتقدون أنهم مصلحون؛ فجمعوا على أنفسهم مصيبتين:

الأولى: أنهم مفسدون.

والثانية: ادعاؤهم أنهم مصلحون.
فكانوا كمنافقي الأمس الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة:11-12).
كراهيتهم الشنيعة للعلماء والصالحين:

- فهم ينتهزون كل فرصة في سب العلماء والدعاة والصالحين من أهل السنة والجماعة، ويسخرون منهم، ويَتخذ هذا السب وهذه السخرية أشكالاً متعددة، منها:

- اتهامهم بأنهم يدعون الناس إلى الرجوع إلى عهود الظلام..!

وهذه من أبشع التهم -وإلى الله المشتكى-؛ حيث يصفون عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام والتابعين وتابعيهم بإحسان بأنها عهود ظلام، وهذا -والله- نفاق ما بعده نفاق، وزندقة ما بعدها زندقة، وقلب للحقائق مقيت حيث يصفون النور بالظلام؛ قال الله -عز وجل-: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (المائدة:16)، وقال أيضًا: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف:157).
وهذه التهمة في الحقيقة لن تجدي ولن تنفع ولن تُغير من الحقيقة شيئًا، ولن ينطفئ هذا النور أبدًا، ولقد حاول أسلافهم نفس المحاولة، ولكنها باءت بالفشل، قال الله -عز وجل-: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32).

ويا للعجب حين يصفون أنفسهم بأنهم دعاة التنوير!

والمرء يتساءل: من هم أصحاب التنوير؟

الذين يُعبِّدون الدنيا بدين الله، ويدعون الناس إلى الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، واتباع سلف الأمة الذين مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض، والذين زكاهم الله -عز وجل- بقوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا) (البقرة:137)، أم هم الذين يدعون الناس إلى الانسلاخ من هذا الدين، واعتناق مذاهب فكرية إلحادية مرة يستوردونها من المشرق، ومرة أخرى يستوردونها من المغرب، وفي كل مرة يخرجون على الناس بأنه لا صلاح لهم إلا باعتناق هذا المذهب، ثم سرعان ما ينقلبون إلى النقيض؟!
يا للعجب.. !
يتساءل المرء: من هم الدعاة إلى التنوير؟
الذين يدعون الناس إلى التحلي بمكارم الأخلاق، والتخلص عن رذائلها، والبعد عن اللهو والعبث، والاشتغال بما تنصلح به الدنيا والدين، أم أولئك الذين يدعون إلى الخلاعة والفساد، وإلى الرقص والمجون والإباحية، وينفقون الأموال الطائلة في الترويج لذلك؟! وماذا حصدوا وحصد الناس معهم من تنويرهم المزعوم؟!
- ومن أشكال السب والسخرية أيضًا: اتهامهم لأهل السنة والجماعة من العلماء والدعاة بالمتاجرة في الدين!

وهي في الحقيقة تهمة لا ينكرها هؤلاء الصالحون، وشرف لا يدعونه، ولكن ليس على نية أهل الباطل؛ فأهل السنة والجماعة في جميع العصور وإلى أن تقوم الساعة قد عقدوا صفقتهم الرابحة مع الله -عز وجل- لما قال: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111).

ولما قسَّم الله الناس كما جاء في سورة البقرة قال عن قسمٍ منهم رائعٍ بحق: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207).
هذه هي تجارة العلماء والدعاة الرابحة، بل هي قضيتهم؛ يعبِّدون الخلق لله، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، وإلى اتباع كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عالمين معتقدين أن في ذلك العصمة من الضلال، والنجاة في الدنيا والآخرة، ويبذلون في ذلك كل غال مهما كانت التبعات، قال -صلى الله عليه وسلم-: (تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني).
هذه هي تجارة العلماء والدعاة من أهل السنة والجماعة، والتي يطلقون عليها التجارة بالدين، والسؤال: فما هي تجارتكم إذن؟ والإجابة قد جاءت بين السطور التي تقدمت بما يغني عن التكرار: بضاعة عفنة يؤذون بها الناس ويقودونهم بها إلى النار -والعياذ بالله- يبيعون فيها دينهم بدنياهم، وصدق الله القائل: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) (النساء:77).

- ومن أشكال السب والسخرية أيضًا السخرية من لباس العلماء والدعاة من أهل السنة والجماعة:

وهذا يدل على أنهم قمم في الجهل والجهالة، ونقصد بالجهالة السخرية من الناس والاستهزاء بهم، فهذه ليست أبدًا من شيم الكرام، بل إنها خصلة من خصال اليهود، كما قال الله -عز وجل- عنهم لما أمرهم موسى -عليه السلام- أن يذبحوا بقرة امتثالاً لأمر الله: (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (البقرة:67)، فليس الاستهزاء بالناس من أخلاق الصالحين.

والحقيقة أن القضية واحدة في الماضي والحاضر، وأن هذه السخرية أراحت أفئدة ذوي الألباب أصحاب العقول والبصائر؛ لأنها وفرت عليهم عناء البحث عن تطبيق لهذه الآية في واقعنا المعاصر، قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) (المطففين:29-33).
ونحن ندعو هؤلاء القوم إلى العودة إلى دين الله، وإلى توبة نصوح مستصحبة بالعمل من أجل نشر قيم الإسلام العظيمة في بلاد المسلمين فيما تبقى من أعمارهم عوضًا عما فاتهم، وذلك قبل فوات الأوان، وقبل أن تتبدل المواقف فيصير الساخر الضاحك على الناس في الدنيا مسخورًا منه مضحوكًا عليه، ويصير المسخور منه المضحوك عليه في الدنيا ساخرًا ضاحكًا، وذلك في عرصات القيامة حين يكون الضحك والسخرية أمرًا مشروعًا وعدلاً من رب العزة -تبارك وتعالى-.
والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


www.salafvoice.com

موقع صوت السلف

الجمعة، يناير 21، 2011

تحذيراتٌ وتنبيهات...

بقلم / علي بن حسن الحلبي الأثري


مما لا ينبغي التلكّؤ في ذكره ، ولا التأخرّ في إبانته :
أن الدعوة السلفية دعوة علمية هادية وهادئة ؛ يُعرف منهجها بما انتسبت إليه من فهم صحيح ، ونهج واضح رجيح ، راجعٌ -كُلُّه- إلى سبيلِ سلف الأمة الصالحين ، من خير قرون هذه الأمة-سادة وقادة-..
ولا يلزم من ذلك - ألبتة - أن تكون رجعية! أو ماضوية!!-كما يطيب لبعض النابزين رميها به-!

بل هي جامعةٌ بين الالتزام التام بالأصالة المنهجية ، إضافةً إلى الانتفاع والاستفادة من تطوُّرات العصر ومُحْدَثاتِهِ التي لا تتناقض مع الشرع الحكيم وأصوله ودلائله..

وهي -مِن جهةٍ أُخرَى- ليست حزباً ، ولا حركة ، ولا جماعة ،ولا تنظيماً..
وإنما هي -أصلاً وفرعاً- دعوة قائمة على التعاون الشرعي الأخوي الودود -مع - وبين - عموم الناس - ضمن قواعد الشريعة، وإرشادات العلماء الربانيين..
وهي -في سبيل تحقيق ذلك-تسعى للتكامل مع أولياء أُمور بلاد المُسلمِين -تواصياً وتناصحاً -بالحق إلى الحق- ؛ وبما يعود نفعه، وترجع فائدته إلى الأمة الإسلامية -قاطبةً-.

والدعوة السلفية -بطبيعتها العلمية ، وبأصولها الشرعية-ترفض العنف، وتأبى الفوضى، وتناقض التكفير المنفلت ؛ الذي ليس له خِطام ولا زِمام ؛ مما يمارسه بعض الجهلة المنتسبين للإسلام ؛بغير هدى ولا بصيرة ولا كتاب منير..

والدعوة السلفية - بحمد الله - تعالى - دعوة واحدة...ليس فيها -أبداً- ما يُنْسَبُ إليها مما ليس منها -مِن تَعَدُّديَّات!- يقال فيها -اليومَ- في عالم الصَّحافة- أو السياسة-: سلفية جهادية ! أو :سلفية تقليدية ! أو :سلفية تجديدية.. إلخ.

ذلكم أن الدعوة السلفية (الواحدة) - في ذاتها - دعوة معتدلة ، وسطية ؛ تستمد وجودها واستمراريتها-بعد فضل الله -تعالى- من وضوح منهجها القائم على الكتاب والسنة ،وفتاوى أكابر علمائها والأئمة...في الوقت الذي يضلل أولئك المنتسبون زوراً -للسلفية- ،هؤلاء العلماء -فضلاً عن عامَّةِ الدعاةِ وطلبة العِلم!-، ويشكِّكون بهم ،ويسفِّهون مرجعيتهم...
فأين هم من الحق، أو الدعوة إلى الحق، أو أهل الحق؟؟!

فنِسبتُهُم -أو انتسابُهم-هذا- مُناقضٌ للواقع، مُغايرٌ للحقِّ.
...وقد استنكرْنا -غير مرة- ما جرى -ولا يزال يجري!- -وللأسف الشديد- في عدد من ديار الإسلام-من تقتيل أعمى ، وتفجير أهوج ؛ يُفسد الأمن ،ويضيّع الأمان، ويزلزل الإيمان، ويقتل -بصورة عمياء- المواطنين الأبرياء-سواء منهم مَن كان مِن المسلمين، أو مِن غير المسلمين- ممن لهم حق الرعاية والحماية والحِياطةِ - جميعاً - في ظِلِّ الدولة المسلمة -والحمد لله-.

ولم نكد ننسى ما وقع في بلادنا الأردن-حرسها الله-قبل سنوات قليلةٍ-من تفجير كبير غاشم وظالم ؛راح ضحيته عشرات الأبرياء من عامة الناس-رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً-..

ولا تزال -جرَّاءَ ذلك- غصة الألم في نفوسنا ، ومرارة الظلم في قلوبِنا؛ فالأسى لا يُنسى...

فَضلاً عمّا جرَى في السعوديَّة، والمغرب،ومصر.. و.. و.. -وغيرها مِن بلاد الإسلام- مِن تفجيرات وتقتيلات مُماثلةٍ...
إنَّ مجرد وقوع هذا العمل الجبان الظالم السيئ الفاسد المفسد-من أيِّ أحد كان-؛فإنه مستنكر غير مقبول..فكيف إذا وقع هذا الباطلُ ممن قد ينتسبون إلى الإسلام ،ويدّعون العمل للإسلام ،أو الدعوة للإسلام؟؟!!

فلا شك أن الإنكار على هؤلاء سيكون أشد وأنكى؛لما سيتبع أفعالهم القبيحة -هذه- من نتيجة قبيحة سيئة ترجع بالسوء والبلاء على الإسلام وأهله..

فالإسلام العظيمُ يأبى هذا - كُلَّه- يرفضه..

وينكره ويستنكره..

ويناقض أدعياءه ويردّ عليهم...

ولستُ -في هذا المقال - في مَقام القاضي، أو القضاءِ، أو التقاضي، أو التحقيق (البوليسي): في إثبات، أو نفي صلة فلان، أو الجهة الفلانية -أو غير ذلك-!! سواءٌ في هذا الحادث، أو ذاك!
وإنّما أنا أبيِّنُ -ها هُنا- حُكماً شرعيًّا صارماً يلزمُ كلَّ فاعلٍ فاسد لهذه المفاسد -مسلماً كان أو غير مُسلمٍ-...

وليس يُغيِّرُ قولَنا، ولا يُناقضُ حُكْمَنا: ما هو واقعٌ -في بعضِ أنحاءِ العالمِ- على أعدادٍ مِن المُسلمِين -مِن ظُلمٍ، وقَتْلٍ، واحتلالٍ -مِن قِبَلِ بعضِ غيرِ المُسلمِين-...


فإنَّ هذا الظُّلْمَ والقتلَ والاحتلالَ صادرٌ ممَّن لا ضوابطَ تضبطُهُم، ولا أُصولَ تَلزَمُهُم -أو تُلزِمُهُم-.

أمَّا نحنُ -المُسلمِين-؛ فإنَّ عندَنا منهجاً ربَّانِيًّا كامِلاً لا انْخِرامَ فيه، ولا خَلَلَ يَعترِيه؛ يضبطُ مَواقِفَنا، وأحكامَنا، وعواطِفَنَا...

فأينَ نحنُ مِن أُولاءِ!؟ وما لنا ولهُم؟!
... وإنني إذ أكتب هذا ؛فإنما أكتبه بعدَما وصل أسماعَنا حول ما جرى -أمس- من حادث شنيع ،وعمل فظيع :من التفجير والتقتيل الذي وقع في بعض كنائس مدينة الإسكندرية-ثاني أكبر مدن مصر المحروسة-أدام الله عليها إيمانها وأمانها- ،والذي أوقع عدداً ليس بالقليلِ من القتلى والجرحى-بغير ذنب فعلوه، ولا جُرم اقترفوه-...

والنبيّ العربي الكريم-صلى الله عليه وسلم-يقولُ: «مَن قَتَلَ مُعاهداً؛ لمْ يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ» [رواهُ البخاريُّ]..

بل حرَّم نبينا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- ما هو أدنى من القتل للمعاهد -فيه، وله-، فقال: «ألا مَن ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغيرِ طِيب نفس؛ فأنا حجيجُه يوم القيامة» [رواه أبو داود في «سننه»]..

و(المعاهد)؛هو:الكتابي الذي له عهد وميثاق في المجتمع المسلم ، وبين أهله وأبنائه.



إن التاريخ-كله-يشهد لهذا الإسلام -الحق-بما أداه من حق إلى عموم الخلق- في العلوم والمعارف، والنظُم والتصورات ، والآداب والأخلاق، والحضارة والاقتصاد- على مدى قرون وقرون-...
ولعل كلماتٍ مُباركةً كتبها أحدُ كِبارِ علماء المسلمين-قبل نحو تسعمئة سنة-وهو الإمام أحمد بن إدريس القرافي ( المتوفى سنة 684 هـ - الموافق 1285 م )-في ظرف صعب عسِر-؛ تُبين الموقفَ الشرعيَّ الإسلاميَّ الناصعَ مِن أهل الكتابِ-من قديم الزمان- -ممّن لهم الذمَّةُ في ديارِ الإسلام- حُسناً وكمالاً- ؛ حيث قال - رحمه الله- في كتابه «الفروق» (3 / 15) :

(.. فالرفقُ بضعيفهم ، وسَدُّ خَلّة فقيرهم ، وإطعام جائعهم ، وإكساء عاريهم ، ولِين القول لهم - على سبيل اللطف بهم ، والرحمة-...، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القُدرة على إزالته- لطفاً منَّا بهم...-، والدعاية لهم بالهداية، وأن يُجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غَيبتهم إذا تعرَّض أحد لأذيتهم، وَصَون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم، وكلُّ خير... فإنَّ ذلكم من مكارم الأخلاق...».
ومِن الشواهد التاريخية- العلمية العمليَّة التطبيقية- أيضاً-، والتي تدلُّ على حرص المسلمين- عامتهم، وعلمائهم- على حماية أهل الكتاب -ممّن لهم الذِّمَّةُ في ديارِ الإسلام-: موقف شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم ابن تيميَّة -رحمه الله- ( المتوفى سنة 728 هـ - الموافق 1328م)، حينما استولى التتار على الشام ، وأرادَ مَلِكُهم أن يحرّر الأسرى المسلمين

-فقط-! فإذا بالإمام ابن تيمية يعترض أشدَّ الاعتراض ، ويطالب بتحرير الأسرى

-جميعهم- المسلمين والنصارى على السواء - ، قائلاً:

«إننا لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من المسلمين وغير المسلمين ؛ لأنهم أهل ذمَّتنا، ولا ندع أسيراً - لا من أهل الذمة ، ولا من أهل الملة-».
بل أوجب الإمام ابن تيمية- رحمه الله - على المسلمين -وقتذاك- متابعة القتال حتى يتمَّ تحرير الجميعِ، فلما رأى ملكُ التتار ذلك أطلق سراح جميع الأسرى لديه-.


هذه حقيقة الإسلام ، وحكمة الإسلام ، ورحمة الإسلام ، وبعض مواقفه الشريفة العِظام ...

... فلْيَتَّقِ اللهَ كُلُّ مُسلمٍ -مهما كان، كيفما كان، أينما كان- حق التقوى؛ وتطبيق ذلك وتنفيذه : بأنْ يكونَ كل واحد منا مَثَلاً سامياً يبيّن حقيقةَ الإسلام، ويُظهر أخلاقَ أهل الإسلام... مُجانِباً ومحاذراً-في الوقتِ ذاتِهِ- أنْ يكونَ مَثَلَ سَوءِ في تشويه صورةِ الإسلام، أو تنفير غير المُسلمِين منه...

وبخاصَّةٍ في هذه الظُّروفِ الصَّعبةِ التي يَعيشُها المُسلمون -عامَّةً- في أرجاءِ العالَمِ -كُلِّهِ- ضَعفاً ووهَناً-، ولا مُفرِّجَ إلاّ اللهُ -سُبحانَهُ في عُلاه-.
وأما ما هو جارٍ -اليومَ- في كثير ديارِ الغَربِ مِن موقفٍ سلبيٍّ فكريّ تُجاه الإسلام والمُسلمين؛ -والذي صار أشبهَ بالمرضِ -منهم وإليهم-؛ يَحْذَرُونَ منه، ويُحذِّرُونَ منه، حتّى سمّوه -فيما بينهم-: (الإسلامفوبيا!!):فهو أَكْبَرُ دَليلٍ على ما منه حَذَّرْت، ولِحُكْمِهِ بيَّنْت-لو كانوا يعلمون-...


وأكادُ أجزمُ -غيرَ مُتردِّد- أنَّ علاجَ هذا المرضِ العضال إنما يكونُ بالعملِ على نقيضِهِ، والسعي إلى إظهارِ ما يزيّفه ، وكشفِ ما يُضادُّهُ -ممَّا ذَكَرْتُهُ- مِن التعريفِ بالإسلامِ الحقِّ، وأخلاقه الفاضلة، وآدابه الكاملةِ الماثلة...



وأختم -هُنا- بإعادةِ ما كتبتُهُ في كتابي «التحذير مِن فتنة التكفير» (ص31) -قبل خمسة عشر عاماً- وقد طُبِعَ عِدَّة مرَّاتٍ- وذلك قبل أحداث (11سبتمبر) -المشهورة!- لمّا قُلتُ- مُحذِّراً، ومنبِّهاً- بعد بيانٍ وبيانٍ-:
«نقولُ الذي قُلناه: ردًّ لِغُلُوِّ الغالِين، وتكفير المُكَفِّرِين؛ الذين فَتَحُوا البابَ مُشْرَعاً

-بأفعالِهِم وأقوالِهِم- لكلِّ أعداءِ الدِّين ومُناوئِيه؛ لِيَصِفُوا الإسلامَ بالتطرُّفِ، والمُسلمينَ بالإرهاب.. مِن غير تمييزٍ، وبلا تفصيلٍ.. فكانُوا -بسوءِ صنيعِهم- سدًّا مَنيعاً في وَجهِ الدّعوةِ الحقَّةِ للإسلامِ الحقِّ، وسبباً كبيراً للضغطِ على المُسلمِين، واستِنزافِ مُقدَّراتِهم، وشَلِّ قواهم...

فاللهُ يُصْلِحُهُم، ويُسدِّدُ دَرْبَهُم...».



... واللهُ المُستعان.

............................................................
تعليق صغير
لا يراودنى ادنى شك ان حادث الاسكندرية انما هو من تدبير النصارى انفسهم فى ذلك التوقيت بالتحديد ، فالمتأمل الى ما يجرى حولنا من احداث يعرف تماما هذه الحقيقة التى لاتقبل مجرد النقاش حتى ،
كما ان النصارى يسعون بكل الجهد الى كسب المزيد من الامتيازات وكسب اكبر عدد ممكن فى التشكيلات الحكومية بل ولربما ارادوا ان يغيروا الدستور ليسمح لهم بان ينص على ان يكون لرئيس الجمهورية نائب قبطى او ان يكون رئيس الوزراء مسيحى .
كما انهم مرعوبون من عدة هواجس بالجملة ، فاعدادهم تتناقص يوما بعد يوم ، اما بالهجرة او بالدخول الى دين الاسلام الحنيف كما انهم مرعبون من فكرة عودة الحكم الاسلامى الرشيد الى مصر وتطبيق الشريعة الاسلامية ، لذا فهم يسارعون بايعاز من جهات اجنبية معروفة طبعا ، الى احداث الفوضى والبلبلة فى مصر
هذا التعليق بعيد تماما عن القال .

                                                                ودمتم سالمين فى رعاية الله