الاثنين، أغسطس 11، 2008

هل الجنس مفتاح عقل الشباب العربي؟؟(نشره ಮೊನೀಪ್)

فضيحة كشفتها مجلة يهودية فرنسية
موقع فيس بوك من صناعة السي آي إيه و الموساد الإسرائيلي
قصة الموقع بدأت عام 1998 و انتهت بتشكيل جهاز "مخابرات الإنترنت"
نتنياهو يعترف بالاسـتماع لمحادثات الشـباب العربي عن طريق غرف الشـات

أطلق عدد من المنتديات العربية دعوة لمقاطعة" و إلغاء أي اشتراكات في موقع "فيس بوك" تتعلق باستفادة الكيان الصهيوني من الكم الهائل من المعلومات المتاحة عن المشتركين من العالمين العربي والإسلامي وتحليلها وتكوين صورة إستخباراتية عن الشباب العربي والمسلم.
و حذرت التقارير من أن الموساد الإسرائيلي يسعى للاستفادة من إقبال الشباب العربي على التعرف على عدد كبير من الفتيات من مختلف أنحاء العالم كوسيلة لاختراق العقول العربية. حيث أن شروط الموقع تضطر هؤلاء الشباب للإدلاء بتفاصيل مهمة عن حياتهم وحياة أفراد أسرهم ومعلومات عن وظيفتهم وأصدقائهم والمحيطين بهم وصور شخصية لهم ومعلومات يومية تشكل قدراً لا بأس به لأي جهة ترغب في معرفة أدق التفاصيل عن عالم الشباب العربي.
حيث لا يتطلب من أي شخص سوى الدخول إلى الإنترنت، وخاصة غرف الدردشة، والتحدث بالساعات مع أي شخص لا يعرفه في أي موضوع، حتى في الجنس، معتقداً أنه يُفرغ شيئاً من الكبت الموجود لديه ويُضيع وقته ويتسلى، ولكن الذي لا يعرفـه أن هناك من ينتظر لتحليل كل كلمـة يكتبها أو يتحدث فيها لتحليلها واسـتخراج المعلومات المطلوبـة منها دون أن يشـعر هذا الشـخص أنـه أصبح "جاسـوسـاً" و"عميلاً" لمخابرات الكيان الصهيوني أو المخابرات الأمريكيـة!! و حتى لا يتهمنا احد بالمغالاة فإن هذه التفاصيل و غيرها ليست من عندنا، و إنما نشرتها" مجلة إسرائيل" اليهودية التي تصدر في فرنسا منذ فترة قصيرة، حيث نشرت ملفاً عن عملاء الإنترنت الذين يُشكلون اليوم أحد أهم الركائز الإعلامية لمخابرات الكيان الصهيوني والمخابرات الأمريكية على حد سواء! وفي الملف معلومات في غايـة الأهميـة والخطورة عن أحدث طُرق التجسس التي تقوم بها كل من مخابرات الكيان الصهيوني والمخابرات الأمريكيـة عن طريق أشـخاص عاديين لا يعرفون أنهم يفعلون شـيئاً خطيراً. و كل ما يقومون به هو دخول غرف الدردشـة الفوريـة لقضاء السـاعات في الكلام عن أشـياء قد تبدو غير مهمـة، وأحياناً تافهـة أيضاً، لكنها تُشـكل أهم المحاور التي تُركز عليها أجهزة اسـتقطاب المعلومات في المخابرات لأنها ببسـاطـة تُسـاعدها على قراءة السـلوك العربي وخصوصاً لدى الشـباب الذين يُشـكلون أكثر من 70% من سـكان الوطن العربي.
والحكاية كما روتها المجلة بدأت عام 1998 حين اجتمع" موشيه أهارون"- ضابط المخابرات الصهيوني- مع ضابط آخر أمريكي في مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، و لم يكن الأمر يعدو اجتماعاً روتينياً، بل كان الجانب الأمريكي يسعى فيه إلى الحصول على الحقائق (اللوجستية) التي من عادة مخابرات الكيان الصهيوني تقديمها للأمريكيين عن الدول التي تُطلق عليها إدارة "أسود بيت" الدول المارقة، لكن الجانب الصهيوني كان يبحث عن الدعم (اللوجستي) غير المعلوماتي، بل المادي لتأسيس مكتب ظلَّ يعول عليه (أهارون) الذي كان من أبرز الوجوه الصهيونية المختصة في الشؤون الأمنية العربية، وكان وراء عمليات اغتيال شخصيات فلسطينية في تركيا ونيروبي وساحل العاج وتونس ودول أخرى أوروبية مثل يوغسلافيا وأسبانيا وإيطاليا.
لم يكن الكيان الصهيوني قادراً على ضمان "نجاح" تجربة مخابراتية عبر (الإنترنت) من دون مساعدة أمريكية عبر الأقمار الصناعية، وعبر المواقع البريدية الأمريكية التي تخدم بالخصوص (الشات) بكل مجالاته والتي يُقبل عليها من قبل شباب العالم الثالث في القارات الخمس، وفي الأول من مايو 2002 تم الكشف للمرة الأولى في صحيفة (تايمز) عن وجود شبكة مخابراتية تركز اهتماماتها على جمع أكبر عدد من العملاء، وبالتالي من المعلومات التي يعرف الكثير من الاختصاصيين النفسانيين المنكبين على المشروع كيفية جمعها، وبالتالي كيفية استغلالها لتكون (ذات أهمية قصوى).
وقد جاء ما نشـرتـه مجلـة (لو ماجازين ديسـراييل) الصادرة في فرنسـا مثيراً للدهشـة؛ ربما لأنها نقلت عن "ملفات سـريـة" الكثير من التفاصيل التي اسـتطاعت أن تجمعها من مصادر موثوقـة في الكيان الصهيوني، وهو ما أثار في النهايـة سـخط السـفير الصهيوني في فرنسـا ضد المجلـة اليهوديـة التي اتهمتها غالبيـة من الجهات اليهوديـة بأنها كشـفت أسـراراً لا يحق لها كشـفها للعدو. إلا أن الموضوع لم ينتـهِ عند هذا الحد بل بدأ الجميع في البحث عن وجود جهاز مخابراتي اسـمـه "مخابرات الإنترنت".
فرع مخابرات الإنترنت
يعلق"جيرالد نيرو"- الأستاذ في كلية علم النفس بجامعة بروفانس الفرنسية وصاحب كتاب مخاطر الإنترنت- قائلاً" إن هذه الشبكة تم الكشف عنها بالتحديد في مايو2001 وهي عبارة عن مجموعة شبكات يُديرها مختصون نفسانيون إسرائيليون مجندون لاستقطاب شباب العالم الثالث، وخصوصاً المقيمين في دول الصراع العربي ـ الصهيوني، إضافة إلى أمريكا الجنوبية" فنزويلا، نيكاراجوا و غيرها".
ويرى (نيرو) إن كل من له قدرة على اسـتخدام الإنترنت لسـد وقت الفراغ أو لحاجـة نفسـيـة يُعتبر "عميلاً مميزاً"، لأن المواقع التي تُثير الشـباب هي التي تمنحهم مسـاحـة من الحوار ربما يفتقدونها في حياتهم اليوميـة، ناهيك عن أن اسـتعمال الإنترنت يضمن خصوصيـة معينـة، حيث أن المتكلم يحتفظ عادة بسـريـة شـخصـه، كأن يسـتعمل اسـماً مسـتعاراً، وبالتالي يكون إحسـاسـه بالحريـة أكثر انطلاقا، كما أن تركيز الشـباب لا يكون على الموقع نفسـه، بل على من سـيلتقيـه للحديث معـه، وخاصـة البحث عن الجنـس اللطيف للحوار،
فتش عن الجنس
والمسـألـة تبدو سـهلـة بالنسـبـة لضباط المخابرات الذين ينشـطون بشـكل مكثف داخل مواقع الدردشـة خاصـة في المناطق الأكثر حسـاسـيـة في العالم، وربما يعتقد بعض مسـتخدمي الإنترنت أن الكلام عن الجنـس مثلاً ضمان يُبعد الشـبهـة السـياسـيـة عن المتكلم، بينما الحقيقـة أن الحوار الجنسـي هو وسـيلـة خطيرة لسـبر الأغوار النفسـيـة، وبالتالي لكشـف نقاط ضعف من الصعب اكتشـافها في الحوارات العاديـة الأخرى، لهذا يسـهل "تجنيد" العملاء انطلاقاً من تلك الحوارات الخاصـة جداً، والتي تشـمل في العادة غرف النوم والصور الإباحيـة وما إلى ذلك، بحيث إنها السـبيل الأسـهل للإيقاع بالشـخص ودمجـه في عالم يسـعى رجل المخابرات إلى جعلـه "عالم العميل".
وتجدر الإشـارة إلى أن رئيـس وزراء الكيان الصهيوني السـابق (بنيامين نتنياهو) أكد في سـياق تصريحاتٍ له نُشـرت إبان رئاسـتـه للحكومـة أنه كان يقوم شـخصياً بالاسـتماع إلى المحادثات التي يُجريها الشـباب العربي عبر غرف الشـات ـ الدردشـة ببرنامج بال توك- كي يعلم من خلال تلك المحادثات ما يُفكر فيه الشـارع العربي والحديث الغالب عليه وأهم القضايا الحسـاسـة التي يهتم بها العرب!
وفي الكيان الصهيوني جهاتٍ عدة تقوم برصد ومتابعـة ما يحدث في العالم العربي! وفي الماضي اسـتطاعت ـ من خلال تحليل صفحـة الوفيات في الصحف المصريـة خلال حروب 1956 و1967 و1973 ـ جمع بيانات حول العسـكريين المصريين ووحداتهم وأوضاعهم الاجتماعيـة والاقتصاديـة، وهو ما أدى، فيما بعد إلى قرار حظر نشـر الوفيات الخاصة بالعسـكريين في فترة الحروب إلا بعد الموافقـة العسـكريـة، حيث أكدت مصادر في الكيان الصهيوني أن تحليل مواد الصحف المصريـة سـاهم في تحديد موعد بدء حرب 1967 عندما نشـرت الصحف تحقيقاً صحفياً ورد فيه أن الجيـش يُعد لإفطار جماعي يحضره ضباط من مختلف الرتب في التاسـعـة من صباح يوم 5 يونيو 1967.

اللبنانيون في الصدارة
أما موقع (فيس بوك) فقد قالت عنه صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) الأمريكية أن اللبنانيين أكثر شغفاً وحرصاً على إنشاء صفحات لهم على موقع (فيس بوك)، حيث يضم موقع لبنان 125 ألف شخص، أي بنسبة واحد لكل 32 من عدد السكان، في حين يضم موقع للكيان الصهيوني 90 ألفاً، أي حوالي واحد لكل 70، بينما يضم موقع مصر 180 ألفاً، أي حوالي واحد لكل 437 من المقيمين فيها، ومن الصفحات المصرية على الموقع، صفحات خاصة بنجوم وفنانين مصريين وإعلاميين وحوالي 500 جماعة بينها جماعات للدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، ومجموعة لمحبي مصر زمان، ومجموعة من العائلة المالكة قبل الثورة، تضم صوراً وأخباراً عن أسرة محمد علي والملك فاروق.
وهناك بعض الدول التي تنبهت لخطورة هذا الموقع، مثل إيران التي قررت منع الطلاب الإيرانيين من استخدام الموقع بحجة قيام حركات معارضة من خلاله، وعن ذلك تقول فتاة إيرانية تستخدم موقع (فيس بوك) عبر مركز خدمة بروكسي أن الموقع ذو أهمية كبيرة لأنه "في مثل تلك الشبكات يمكنك التعبير عما يساورك بالطريقة التي تحبها... في حين أنه في كل مرة تخرج فيها من بيتك إلى الشارع يتحتم عليك تقديم نفسك بالطريقة التي تمنع الآخرين من التعرض لك و مضايقتك". لكنه من المؤكد أن أجهزة المخابرات الإيرانية توصلت إلى حقيقة الأمر وعرفت أنه قد يُشكل طريقاً سهلاً للأعداء لجمع ما يُردون من معلومات.
وتجدر الإشارة إلى أن موقع (فيس بوك) يشهد حالياً حرباً بين شباب من الكيان الصهيوني والشباب الفلسطيني، فبعد إقدام إدارة الموقع على إسقاط اسم "فلسطين" من قائمة البلدان التي يختارها المشاركون في الموقع عند تسجيل مشاركتهم وحرمان آلاف الفلسطينيين من أعضاء الشبكة من اختيار فلسطين كمكان انطلاقهم، تفجر جدل على مستوى عالمي في ساحة افتراضية، وبعد استطلاعات رأي لشهور، جمع خلالها 10509 توقيع أعادت إدارة (فيس بوك)، اسم فلسطين إلى القائمة، ولم يعد (فيس بوك) قادراً بعد هذا التراجع على رفع اسم فلسطين من القائمة مجدداً.
وبدأ (فيس بوك) الذي ينضم إليه أكثر من مليون عضو شهرياً، في طرح المعلومات المتعلقة بأعضائه علناً على محركات البحث على (الإنترنت) مثل جوجل وياهو، وعلَّق خبير تقنية المعلومات (اوم) مالك على ذلك بالقول "هذه الخطوة تحول (فيس بوك) من شبكة اجتماعية خاصة إلى ما يُشبه الصفحات الصفراء على (الإنترنت)، ويهدف (فيس بوك) من هذه الخطوة إلى الدخول المبكر في السباق لبناء دليل إلكتروني عالمي يحتوي على أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل الشخصية مثل السير الذاتية وأرقام الهواتف وغيرها من سُبل الاتصال بالشخص، وهوايات الأعضاء وحتى معلومات عن أصدقائهم، ما قد يعود بأرباح كبيرة على الموقع، وينضم حالياً نحو 200 ألف شخص يومياً إلى (فيس بوك) الذي أصبح يستخدمه 42 مليون شخص، طبقاً للموقع.
وتشير تقارير الصحف إلى أن الموقع استقطب 60 مليون عضو مع نهاية 2007م، ومنذ إنشائه قبل ثلاثة أعوام على يد" مارك جوكيربيرج" الذي كان طالباً في جامعة (هارفارد) في ذلك الوقت، حقق الموقع انتشاراً عالمياً وأصبح دليل معلوماتٍ إلكتروني خاص، إلا أن نيته نشر معلومات حول أعضائه للعلن تعني أن أي شخص يستخدم محركات البحث العادية على (الإنترنت) يُمكنه أن يحصل على معلومات عن أي عضو في (فيس بوك)، وإذا لم يرفض العضو في الموقع نشر معلومات عنه، فإن صوره واسمه ستتوافر من الآن فصاعداً لأي شخصٍ غير مسجل في الموقع.
ومن خلال تسجيلك الرقم السري في موقع فيس بوك أصبح بإمكانهم التجسس عليك من خلال غرف الدردشة!
نقلا عن:
http://www.hedayah.net/?browser=view&EgyxpID=56871
عبد المنعم منيب

من أسرار القضاء والقدر (نشره ಮೊನೀಪ್ )

يمثل القدر أحد أبرز المسائل الغيبية في العقيدة الإسلامية كما أنه يثير العديد من الإشكاليات مما جعله مزلة أقدام وباب ضل فيه الكثيرون لأنهم حاولوا الإطلاع علي أسرار وخفايا موضوع هو من أخص خصائص عالم الغيب الذي اختص الله بعلمه فلم يطلع علي غيبه أحداً إلا من اصطفي من أنبيائه ورسله بل إن هؤلاء المرسلين أنفسهم لم يطلعهم تعالى علي كل شئ بل أطلعهم علي ما أراد لحكمه بالغة قضاها. ولما كانت قضيه القضاء والقدر بهذه الخطورة فإن الله لم يترك خلقه هكذا ضلالاً جهالا في بابها مما يعين الشيطان عليهم حاشا له أن يفعل ذلك بل أقام منارات الهدي في باب القدر فلا يضل عن هداها إلا هالك. ومن هذه المنارات ترغيب المؤمنين في الإيمان بالغيب والتسليم به والصبر علي حلو القدر ومره والتبشير بثوابه وحسن جزائه في العاقبة سواء في الدنيا أو الأخرة. ولم تقتصر منارات الهدي في موضوع القضاء والقدر علي هذا بل إن الكتاب والسنة سلكاً مسلكاً أخر لتقوية إيمان المؤمنين وإعانتهم علي الصبر علي مر القدر, والشكر علي حلوه دون اليأس في الأولي ودون الكبر والإغترار في الثانية، و نقصد بهذا المسلك الآخر هو مسلك تجسيد بعض المفاهيم التي تضع حركة القضاء والقدر في إطار واضح ومفهوم تجسيدا مادياً في الواقع الذي نعيشه, وهذا التجسيد لا نقصد به ما ورد في الكتاب والسنة من ضرب الأمثال بل نقصد به ما ورد فيهما من وقائع لقصص حقيقية حدثت في أزمنة مختلفة وظهر الجانب الغيبي في هذا القصص بارزاً في عالم الشهادة ، ولاشك أن تصفح هذا القصص لا يكسب القارئ علماً ببعض مرامي القضاء والقدر فقط بل أيضاً يعطى إيمانه بالغيب قوة تقترب في درجتها من قوة من تصديقه بالمحسوسات التي يشاهدها في عالم الشهادة ، ولعل هذا من أقوى دوافعنا لتصفح أمثلة عن هذا القصص, و لكن لابد أن نلاحظ قبل أن نبدأ في هذا التصفح أن هذا القصص نوعان:النوع الأول: قصص كاملة لأحداث محددة قصها علينا الوحي في الكتاب والسنة من مبدئها إلي منتهاها, وكان منتهاها واضحاً فيه النهايتين الدنيوية والأخروية لهذه الأحداث مما أعطاها وضوحاً ظاهراً فالظلم والتكبر قد يحلو لبعض النفوس ويستهويها هذا في البداية فقط لكن تأتي العاقبة بعد سنوات لتبين لنا عاقبة هذا الأمر الذي قدر له في بداية الأحداث أن يكون بطل الأحداث فيها غنيا أو ذا صحة أو قوة أو جمال أو غير ذلك مما يحلو لنا، وهذا في كل القصص القرآني الذي يندرج تحت هذا النوع. ولنضرب مثالين اثنين فقط علي هذا النوع من القصص ، وهما قصة أصحاب الحديقة وقصة قارون.قصة أصحاب الحديقة فالأولي مذكورة في سورة القلم قال الله تعالي : "إنا بلونهم كما بلولنا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين, ولا يستثون, فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون, فأصبحت كالصريم, فتنادوا مصبحين, أن اغدوا علي حرثكم إن كنتم صارمين, فانطلقوا وهم يتخافتون, أن لايدخلنها اليوم عليكم مسكين, وغدوا علي حرد قادرين, فلما رأوها قالوا إنا لضالون, بل نحن محرومون, قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون, قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين, فأقبل بعضهم علي بعض يتلاومون, قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين, عسي ربنا أن يبدلنا خيراً منها إنا إلي ربنا راغبون, كذلك العذاب ولعذاب الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون" ومختصر القصة في كتب التفسير أن رجلاً صالحاً كان يملك بستاناً, وكان يعطي جزءاً من ثماره صدقة للفقراء كنصيب ثابت لهم من محصول البستان عند كل حصاد, فلما مات عزم أبناؤه علي الاستئثار بالمحصول ومنع الفقراء منه, فأرسل الله عليه ناراً أحرقته عن أخره فصار البستان بعدما احترق أسودا كسواد الليل المظلم, فلما رأي أبناء الرجل الصالح هذا المنظر راجعوا أنفسهم وندموا وتابوا عن فعلتهم . وفي هذه القصة يبدو قضاء الشر في عاقبتة خير لهم لأنهم تابوا, وكذلك هو عقوبة بسبب عزمهم علي البخل, و فيها أن حفظ الله للبستان زمن أبيهم كان عاقبة من عواقب عمله الصالح وهو قضاء خير له وإن بدا هذا الإنفاق شراً عند البخلاء.قصة قارون مع بني إسرائيلوالقصة الثانية: قصة قارون قال الله تعالي في سورة القصص "إن قارون كان من قوم موسي فبغي عليهم واتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين, وإبتغ فيما آتاك الله الدار الأخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين, قال إنما أوتيته علي علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون, فخرج علي قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم, وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لما من وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون, فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون لله وما كان من المنتصرين, وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكفرون, تلك الدار الأخر نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين". وفيها ما هو مشهور من القصة من حسن مظهر قارون وغناه وما أسبغ الله عليه من نعم, وكذلك فخره وبطره فالفرح المذكور والذى نهوه عنه هو البطر والأشر لا السرور, وكل هذه الأشياء بدت للبعض في بداية الأحداث أنها قدر خير له وإن كان هو نفسه نفي دور القدر في غناه وقوته ولكن تأتى نهاية الأحداث بما لم يتوقعه هو وكل الموافقين على سلوكه, حيث خسف الله به وبغناه الأرض, فالقصة تظهر لقصار النظر عواقب الأمور التى بدا أنها قدر حلو منذ بدايتها لكنها كانت استدراجاً وكانت شرا له دنيوياً وأخروياً. ولاشك أن هذا النوع من القصص بالغ التأثير في هداية ذوي العقول والبصيرة لكن قد يصعب علي البعض فهمه أو استمرار تذكره, وقد يغلبهم تعجلهم في التفكير والنظر فلا يرون العظة البالغة والعبرة الخطيرة في هذا القصص المسترسل والسائر عبر عشرات السنين بأحداث وئيدة الخطي إلي حد كبير، وهنا تأتي وظيفة النوع الثاني من القصص المستقي من الوحي.نوع أخر من القصص القرآنىوهوالنوع الثاني: وهو قصص أورد مشهداً أو أكثر من مشاهد القدر الواقعية الظاهرة في عالم الشهادة (أى في الواقع المشاهد) ثم قام شخص (أو الوحي) في نفس وقت وقوعها بتفسير جوانبها الغيبية وإزاحة الستار عن أسرارها غير المشاهدة وذلك ببيان واضح ومباشر, وهذه القصص كثيرة في الكتاب والسنة وفيما يلي نذكر جانباً منها للاعتبار والتذكر:قصة البشارة بميلاد إسحاق عليه السلام ومن هذه الأحداث الواقعية التى دخل الوحي طرفاً في صياغتها وتفسيرها مباشرة مخاطباً أصحابها حدث تبشير الملائكة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) و زوجته بإسحاق وبعده يعقوب فلما تعجبت زوجته بين لها الملائكة أن هذا قدر الله يفعل ما يشاء قال الله تعالي في سورة (هود) "وإمرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب, قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب, قالوا أتعجبين من أمر الله, رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد".قصة البشارة بميلاد يحى عليه السلاموكذلك زكريا (عليه السلام) لما بشرته الملائكة بيحي تعجب فجاءه رد مماثل في المعني قاله الله تعالي في سورة مريم "ذكر رحمت ربك عبده زكريا, إذ نادي ربه نداءا خفياً, قال رب إني وهن العظم مني وإشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً, وإني خفت الموالي من ورائى, وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا, يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً, يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيي لم نجعل له من قبل سميا, قال رب أني يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا, وقد بلغت من الكبر عتيا, قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً , قال رب إجعل لي آية, قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً, فخرج علي قومه من المحراب فأوحي إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا, يا يحيي خذ الكتب بقوة وآتينه الحكم صبياً, وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً, وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً, وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً".قصة السيدة مريم عليها السلامومن هذا النوع أيضا من القصص قصة السيدة مريم مع ميلاد إبنها عيسى عليه السلام قال تعالى في سورة الأنبياء "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعلمين", وقال الله في سورة مريم: "واذكر في الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقياً, فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحناً فتمثل لها بشراً سوياً, قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً, قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلام زكياً, قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم اك بغياً, قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً, فحملته فانتبذت به مكانا قصياً, فأجاءها المخاض إلي جذع النخلة قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا, فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا, وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً, فكلي وإشربي وقري عينا, فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا, فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا, يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا, فأشارت إليه, قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً, قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً, جعلني مباركاً أين ما كانت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حياً, وبرا بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً, و السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً".فرزقت المسيح علي رغم منها ورغم ما ظنته أنه شر لها إلا إنه كان رحمة للعالمين بل سينزل أخر الزمان ليصير وقتها رحمة لأهل ذلك الزمان أيضاً، ومريم هذه هي التي قالت أمها عنها يوم ولادتها إنها أنثي كأنها تشعر أنها لن تقدم من الخير ما يستطيع أن يقدمه الذكر لما نذرت لله مولودها, ومع ذلك فهذه الأنثى ارتقت في مدارج الإيمان والعمل الصالح حتى صارت سيدة نساء عصرها وأية من آيات الله علي مر العصور ورمز العفة والطهارة والصلاح كما قال الله تعالي في سورة آل عمران: "وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك علي نساء العالمين, يا مريم اقنتي لربك واسجدي وأركعي مع الراكعين". فعلا ذكرها مع أنها أنثي كما قالت أمها في سورة آل عمران: "إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم, فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثي, والله أعلم بما وضعت, وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". فلا يأس من الإصطفاء أيا كان الجنس.حول قصة جالوت مع بني إسرائيل وفي هذا الإطار العام والسريع تأتي أيضاً قصة نصر مؤمني بني إسرائيل علي جالوت كما جاءت في سورة البقرة وفي الأحاديث النبوية الصحيحة.فلا يأس مع نصر المؤمنين علي عدوهم رغم قلتهم (إذ كانوا نحو ثلاثمائه فقط) مادموا ملتزمين بأمر الله وسنته في خلقه. هذه الأحداث عامة وسريعة وتسير في اتجاه متشابه تقريباً وهو مبررات أقداره لأنها ترمي إلي حكمه بالغة اقتضاها الله.قصة موسى مع الخضر عليهما السلامثم نجد أحداثا أخرى أكثر تفصيلاً وتنوعاً تذكر طرفاً منها أيضاً لمجرد التذكرة والإشارة لا الحصر ولا الاستقصاء فمنها قصة الخضر مع سيدنا موسي (عليه السلام) قال الله تعالي في سورة الكهف: "قال له موسي هل تبعك علي أن تعملن مما علمت رشداً, قال إنك لن تستطيع معي صبراً, وكيف تصبر علي ما لم تحط به خبرا, قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمراً, قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً, فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا, قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا, قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً, فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا, قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً, أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً, وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيناً وكفراً, فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما, وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما يستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبراً". وفيها بيان لجانب من مرامي القدر المر في أنواع مختلفة من الأحداث مثل حدث فقد المال والذي تمثل هنا في خرق السفينة والمرمي الحقيقي هنا هو حفظ المال لا فقده وذلك بحفظ السفينة من أن يستولى عليها الملك, ثم نرى كذلك حدث فقد النفس متمثلا في قتل الغلام والمرمي الحقيقي هنا هو حفظ دين الوالدين المؤمنين وحفظ الدين مقدم علي حفظ النفس, ثم أيضاً نري حدث فقد المجهود أو بذل العمل دون مقابل مادي ورأي القدر فيه هو حفظ مال ضعفاء لكن المرمي أبعد من ذلك و هو أن أباهما كان صالحاً وهو يعني ما هو أبعد بشأن حفظ المال إذ يشير بذلك إلى قدر الله فى خلقه بحفظ ذرية كل صالح ومالهم بما فيهم ذرية نفس هذا الذي يبذل عمله ومجهوده دون مقابل مادي وإنما يبذل لوجه الله.قصة الذى تكلم فى المهدونري حدثاً آخر واضحاً في قصة الطفل الذي تكلم في المهد وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم فقال (بينا طفل يرضع من أمه فمر رجل راكب علي دابه فارهه وشارة حسنة فقالت أمه اللهم إجعل إبني مثل هذا فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل علي ثديه فجعل يرضع فكأني أنظر إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يحكي إرتضاعه بأصبعه السبابة في فيه فجعل يمصها ثم قال ومرا بجاريه وهم يضربونها ويقولون زنيت سرقت وهي تقول : حسبي الله ونعم الوكيل, فقالت أمه اللهم لا تجعل إبني مثلها، فترك الرضاعة ونظر إليها، فقال اللهم إجعلني مثلها, فهنالك تراجعا الحديث (أي الطفل الرضيع وأمه) فقالت مر رجل حسن الهيئة، فقلت اللهم اجعل إبني مثله فقلت لا تجعلني مثله، ومررنا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون (زنيت سرقت) فقلت اللهم لا تجعل إبني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها, قال إن ذلك الرجل جبار فقلت اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون زنيت ولم تزن وسرقت ولم تسرق فقلت اللهم إجعلني مثلها". فهنا هذا الصبي أشار للحكمه من القدر في لون من قدر الخير وهو الجمال الظاهر في الهيئة والملبس ويبين أن وراءه كبره تجبره الذى هو لون من قدر الشر.كما يبين الحكمة من القدر الذى ظاهره الشر في صورة الظلم الواقع على الجارية وأن وراءه خيراً وفيرا وثوابا عظيما، والأمثلة في ذلك المجال كثيرة وغزيرة وجديرة بأن تفرد بالبحث والكتابة.

عبدالمنعم منيب

الأحد، أغسطس 10، 2008

آراء ومقـــــالات - مصطفي عمارة / القاهرة

في ذكري مرور نصف قرن علي مشروع دستور 1954، وتحت عنوان "نحو دستور مصري جديد"، عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ورشة عمل بالقاهرة في الفترة من 23 ــ 25 مايو 2005 بالتنسيق مع الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان، وبدعم من المفوضية الأوروبية والوكالة السويدية للتنمية الدولية، بمشاركة نخبة من خبراء القانون الدستوري وقضاة ومدافعون عن حقوق الإنسان، وأكاديميون وسياسيون، كما شارك في الورشة خبراء حقوقيين وأكاديميين من سوريا والمغرب والسودان وفلسطين والعراق وتونس. استهدفت الورشة فتح حوار حول القضايا الأساسية في عملية الإصلاح الدستوري التي تشكل واحدة من أهم مرتكزات التحول نحو الديمقراطية في مصر، وغيرها من الدول العربية، وتمثل نقطة الانطلاق في أي مشروع للإصلاح السياسي الشامل، وهو الأمر الذي تضمنته معظم مبادرات الإصلاح الجادة المقدمة من الفعاليات السياسية والمدنية المختلفة. كما اختبرت الورشة جدوي مشروع دستور 54 كنقطة انطلاق نحو دستور مصري جديد. أجمعت مداولات الورشة علي أن الدستور الحالي صار عائقا أمام تطلعات الشعب المصري للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والروحي، وأنه رغم تبني الدستور الحالي لنمط مشوه من نظام الجمهورية الرئاسية، إلا أنه في واقع الأمر ساهم في تكريس نظام هو أقرب للملكية الاستبدادية. وأكدت المداولات أن مهمات وضع دستور جديد هي عملية استراتيجية بعيدة المدي تتطلب التوصل الي عقد اجتماعي جديد وتوافق مجتمعي، لن يتما إلا بحوار واسع ومعمق بين التيارات والمشارب السياسية المتباينة دون إقصاء لأي طرف منها، والكفاح من أجل تغيير علاقات القوي السائدة، التي لا تسمح في واقع الأمر بأكثر من تعديلات جزئية مشوهة علي نمط ما جري للتعديل الأخير للمادة 76 من الدستور الحالي. اتجهت مداولات الورشة الي تفضيل خيار الجمهورية البرلمانية باعتباره الاختيار الأكثر واقعية. ونظرا للحاجة الي إحداث قطيعة قوية مع التقاليد الاستبدادية للنظام الرئاسي في مصر، وتحويل النظام السياسي المصري من نظام يحتكر فيه رئيس الدولة معظم صلاحيات وسلطات الحكم الي نظام برلماني يرتكز علي سلطة تشريعية قوية، وسلطة تنفيذية مسئولة أمام نواب وممثلي الشعب وقضاء مستقل، كما أن النظام البرلماني يوفر ضمان لنضوج وتنمية نظام الدولة وتعزيز التعددية الحزبية. وقد اقترح بعض المشاركين إنشاء منبر خاص للدعوة لتحويل مصر الي جمهورية برلمانية، وانضم الي الاقتراح عدد كبير من المشاركين. تطرقت الورشة الي إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في إطار عملية الإصلاح الدستوري، وقد شهدت تباينا في الآراء فهناك اتجاه يري بأن النص علي أن الإسلام دين الدولة وأن الشريعة مصدر التشريع يهدد الحياد الذي من المفترض أن يتسم به الدستور تجاه طوائف المجتمع، وينتقص من المواطنة ومبدأ المساواة بين المواطنين. ومع ذلك يتفق البعض من داخل هذا الاتجاه علي أن تغيير المادة الثانية الخاصة بالنص علي الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في الدستور الحالي يبدو غير محتمل في المدي القريب والمتوسط، نظرا للضغوط الداخلية من المؤسسة الدينية الرسمية، وجماعة الإخوان المسلمين، وكتلة بارزة في الحزب الوطني، وعدم تحمس بعض أحزاب المعارضة لتغيير المادة، مما يحصر دائرة المطالبين بتغييرها في اليساريين والليبراليين ومنظمات حقوق الإنسان والأقباط. أما الاتجاه الثاني فيري أن النص علي أن الإسلام دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع لا يتعارض مع تأسيس مجتمع ديمقراطي،ولا يصطدم مع حريات وحقوق الأفراد. وهناك رأي ثالث حاول التوفيق بين الاتجاهين السابقين، اقتراح أن ينص الدستور علي أن الإسلام دين غالبية المصريين، مع احترام المشرع لحقوق الفئات الدينية الأخري، في ممارسة شعائرهم الدينية، والتمتع بثقافاتهم الخاصة، وعدم التمييز ضدهم. اقترح قسم كبير من المشاركين أن يتضمن أي إصلاح دستوري عملية توحيد القضاء بحيث يخضع لمحكمة عليا واحدة تختص بالرقابة علي دستورية القوانينـ، ومراقبة صحة وسلامة تطبيق المحاكم للقانون، في النزاعات المدنية والجنائية والإدارية،وسائر المنازعات الأخري بما في ذلك الفصل في الطعون الانتخابية. مزايا دستور 54من ناحية أخري تواكبت الورشة مع مرور 51 عاما علي مشروع دستور 1954، والذي صاغه نخبة من الفقهاء الدستوريين والسياسيين، بناء علي طلب مجلس قيادة الثورة حينذاك، ولكنه لم ير النور منذ ذلك الوقت. اعتبرت الورشة أن مشروع دستور 1954 يمكن أن يمثل نقطة انطلاق لأي عملية إصلاح دستوري شامل فهو ينطوي علي رؤية متكاملة صاغها ممثلون للتيارات الفكرية والسياسية الرئيسية، التي لا تزال فاعلة حتي اليوم. ويتضمن الحدّ الأدني لرؤية شاملة لقضية الإصلاح يمكن أن تحشد من حولها جبهة من الإصلاحيين المصريين، بعيدا عن التركيز علي الإصلاحات الدستورية الجزئية التي تستهدف ترقيع الدستور القائم.كما أن المشروع يعالج معظم العيوب والثغرات التي جاءت بها الدساتير التي حلّت محله، وأخرها الدستور القائم، وأدت إلي التشوهات الدستورية الراهنة، خاصة ما يتصل منها بالعلاقة بين السلطات، وبصورة أكثر تحديدا السلطات الكاسحة للسلطة التنفيذية التي أدت إلي هيمنتها علي الدولة والمجتمع. فضلا عن أن دستور 54 يضمن الحقوق والحريات الأساسية للمصريين، ويحيطها بسياج من الحماية، يحول دون إهدارها، أو التحايل للعصف بها. وأنه يتسم بدرجة عالية، من دقة الصياغة، علي نحو يكفل إنفاذ نصوصه، ويسد الباب أمام أية محاولة لتفسيرها علي غير ما قصد إليه المشرِّع الدستوري.في هذا الإطار طرحت للنقاش مسودة الدستور التي أعدها الأستاذ صلاح عيسي المؤرخ والمفكر السياسي المعروف بالاستناد الي مشروع دستور 1954، وقد رحب بها المشاركون/المشاركات، ودعوا الي ضرورة البدء بعملية استطلاع رأي مختلف الجماعات السياسية والمدنية، والنقابات المهنية، في مسودة الوثيقة الدستورية المستوحاة من مشروع دستور 1954. ويمكن تحديد أهم الملامح الأساسية للمسودة المقترحة في التالي:1 ــ جمهورية برلمانية/ديمقراطية:اعتمد المشروع نظام الجمهورية البرلمانية، فرئيس الدولة،لا يجمع بين رئاسته للدولة وبين رئاسته للسلطة التنفيذية، فهو يسود ولا يحكم،كما نص علي أن "يتولي رئيس الجمهورية سلطاته بواسطة الوزراء. ولأن الشعب، هو مصدر كل السلطات، فإن البرلمان ـ وهو يتكون من مجلسين واحد للنواب وآخر للشيوخ وينتخب انتخابا حرا مباشرا ـ يباشر السلطة التشريعية، فلا يصدر قانون إلا إذا أقره، كما يباشر الوظيفة المالية، فيناقش الميزانية والحساب الختامي، ويباشر الوظيفة السياسية والرقابية. وتنتقل السلطة التنفيذية الفعلية بمقتضي المشروع المقترح إلي مجلس الوزراء، الذي ينبثق عن هذا البرلمان، ويكون مسئولا أمامه، بحيث لا يباشر مهامه إلا إذا حصل علي ثقة مجلس النواب أولا، ولا يواصل القيام بهذه المهام إذا افتقد هذه الثقة.2 ــ استقلال السلطة القضائية:حرص المشروع علي أن يختص مجلس القضاء الأعلي بتعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وندبهم وتأديبهم، وحرص علي أن يحصن منصب النائب العام من أي تدخل للسلطة التنفيذية. وفيما يتعلق باختصاصات المحكمة الدستورية العليا، فهي تختص وحدها بالفصل في المنازعات الخاصة بدستورية القوانين والمراسيم التي لها قوة القانون، وفي المنازعات بين سلطات الدولة المختلفة فيما يتعلق بتطبيق الدستورية، وفي تفسير النصوص الدستور والتشريعية الخاصة بالمحاكم ومجلس الدولة، وفي أحوال تنازع الاختصاص بين جهات الاختصاص المختلفة. كما أنه أجاز للسلطات وللأفراد رفع المنازعات إليها. كما أضاف إلي سلطات المحكمة الدستورية كذلك، ثلاثة اختصاصات بالغة الأهمية فيما يتعلق بضبط العلاقة بين السلطات، وبالرقابة القضائية عليها، إذ أناط بها محاكمة رئيس الجمهورية ومحاكمة الوزراء، والفصل في الطعون الخاصة بالأحزاب والجماعات السياسية، في حالة نشوء خلاف حول خروجها عن الشروط العامة التي حددتها لتأسيسها، واختصاصها وحدها بالفصل في صحة عضوية البرلمان وفي إسقاط العضوية عنهم، ليحول بذلك بين الأغلبية البرلمانية، وبين استغلال أغلبيتها لإسقاط العضوية عن النواب المعارضين. 3 ــ الحقوق والحريات العامة:تميز مشروع الدستور بالتكامل بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فقد أكد علي ضمان مبدأ المساواة بين المصريين في الحقوق والواجبات العامة، وحظر التمييز بينهم بسبب الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو بسبب الآراء السياسية أو الاجتماعية". والحق في الجنسية وحظر إسقاطها عن أي مصري الحق في التنقل، الحق في الحرية والأمان الشخصي، وتأكيد حرمة الحياة الخاصة، وحرية الاعتقاد، والحق في الانتخاب، وحق تكوين الجمعيات،توفير ضمانات المحاكمة العادلة وحق الفرد في المحاكمة أمام قاضيه الطبيعي وحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية،وحظر إيذاء المتهم جسمانيا أو معنويا، وعلي معاقبة المسئول عن ذلك،وحسن معاملة السجناء، وحظر تعرضهم لما يتنافي مع الإنسانية أو يعرض صحتهم للخطر. كما كفل المشروع حرية الرأي والبحث العلمي الحق في التعبير بالقول والكتابة والتصوير والإذاعة، و حرية الطباعة، وإصدار الصحف والمطبوعات، وعلي عدم جواز فرض الرقابة عليها، واستقلال الإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الصحفية المملوكة للدولة، عن السلطة التنفيذية وعن جميع الأحزاب، وأكد المشروع علي الحق في الاجتماع السلمي، والاشتراك في المواكب العامة والمظاهرات"، ونص علي أن "للمصريين دون سابق وإخطار أو استئذان حق تأليف الجمعيات والأحزاب، مادامت الغايات والوسائل سلمية".وقد أقر المشروع المزيد من الضمانات الدستورية لحماية الحقوق والحريات العامة بالشكل الذي يصونها من تجاوزات السلطة التنفيذية عند تشريع وسن قوانين لتنظيم الحقوق أو في حالات تعديل الدستور كما أكد " علي أنه في الأحوال التي يجيز فيها الدستور للمشرّع تحديد حق من الحقوق العامة الواردة فيه، لا يترتب علي هذه الإجازة المساس بأصل ذلك الحق". كما نص علي أن "الأحكام الخاصة بمبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها الدستور وبشكل الحكومة الجمهوري النيابي البرلماني، لا يجوز اقتراح تعديلها". وقيد المشروع إعلان حالات الطوارئ. كما أن للبرلمان أن يقرر في أي وقت إلغاء جميع السلطات التي منحها للحكومة أو بعضها أو الحد منها. وأن تكون ممارسة هذه السلطات خاضعة للرقابة القضائية ولا يجوز بحال الإعفاء من المسئولية المرتبة عليها.علي صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فقد أوجب المشروع علي الدولة أن تكفل الحرية وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وأن تيسر للمواطنين مستوي لائقا من المعيشة أساسه تهيئة الغذاء والمسكن والخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية. وقرر المشروع أن العمل حق تعني الدولة بتوفيره لجميع المواطنين القادرين، ويكفل القانون شروطه العادلة علي أساس تكافؤ الفرص. وفي الوقت الذي نص فيه المشروع علي الملكية الخاصة إلا أنه يحتفظ "بألا يضر النشاط الاقتصادي الحر بمنفعة اجتماعية، أو يخل بأمن الناس أو يعتدي علي حرمتهم أو كرامتهم". وعلي أن يراعي القانون أداء وظيفتها الاجتماعية. كما يكفل حق إنشاء النقابات والحق في الإضراب عن العمل. 4 ــ نظام ديمقراطي للحكم المحلي:اعتمد المشروع نظام الحكم المحلي القائم علي اللامركزية، وتوسيع سلطات وصلاحيات الأجهزة المحلية، فأخذ بفكرة انتخاب مجالس محلية، في المحافظات والمدن والقري، تتولي بدورها انتخاب المحافظين ورؤساء المدن والقري، خلافا للوضع الراهن، الذي يجعل المحافظين ورؤساء المدن والقري جزءا من السلطة التنفيذية. تقوم المجالس المحلية المنتخبة بإدارة المرافق والأعمال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية بدائرتها، وتسهر علي رعاية مصالح الجماعات والأفراد وكفالة الحقوق والحريات العامة، كما تعاون في الشؤون الانتخابية وشئون الأمن المحلي.